الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

393

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولكونه كذلك فهو يهدي إلى صراط الله ، الله " العزيز " و " الحميد " أي أنه تعالى الأهل لكل حمد وثناء وفي ذات الوقت فان قدرته غاية القدرة والغلبة ، وليس هو كأصحاب القدرة من البشر الذي يتعامل منطلقا من كونه على عرش القدرة بالدكتاتورية والظلم والتجاوز والتلاعب . وقد جاء نظير هذا التعبير في الآية الأولى من سورة " إبراهيم " حيث قال جل من قائل : كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد . وواضح أن من كان مقتدرا وأهلا للحمد والثناء ، ومن هو عالم ومطلع رحيم وعطوف ، من المحتم أن يكون طريقه أكثر الطرق اطمئنان واستقامة . فمن يسلك طريقه إنما يقترب من منبع القدرة وكل الأوصاف الحميدة . ويعود تعالى إلى مسألة القيامة والبعث في الآية التي بعدها ، ويكمل البحوث السابقة بطريقة أخرى ، فيقول تعالى : وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد . يبدو أن إصرار - هؤلاء الكفار - على إنكار مسألة المعاد يعتمد على أمرين : - الأول : توهمهم أن المعاد الذي تحدث عنه رسول الإسلام ( صلى الله عليه وآله ) وهو " المعاد الجسماني " ، أمر يسهل الإشكال عليه والطعن فيه ، وأن بإمكانهم تنفير الناس منه فينكرونه بسهولة . الثاني : أن الاعتقاد بالمعاد ، أو حتى القبول باحتماله - على كل حال - إنما يفرض على الإنسان مسؤوليات وتعهدات ، ويضعه وجها لوجه أمام الحق ، وهذا ما اعتبره رؤوس الكفر خطرا حقيقيا ، لذا فقد أصروا على إلغاء فكرة المعاد والجزاء الأخروي على الأعمال من أذهان الناس . فقالوا : أيمكن لهذه العظام المتفسخة ، وهذه الذرات المبعثرة ، التي تعصف بها الريح من كل جانب ، أن تجمع في يوم وتلبس ثوب الحياة من جديد ؟